|
|||||||
| منتدى القصص والروايات منتدى - قصص - روايات - قصص قصيرة - قصص طويلة - قصص جديدة |
|
|
#1 (permalink) |
|
! عـضـو فـضـي !
تاريخ التسجيل: Jan 2005
المشاركات: 384
|
عبر وعبره
تكمله الجزء الاول
قلت: أما كان يصحبها أحد؟ قال: لا. قلت: ألا تعلم المكان الذي ذهبت إليه؟ قال: لا. قلت: وممّ تخاف عليها؟ قال: لا أخاف شيئاً ، سوى أني أعلم أنها امرأة غيور حمقاء، فلعل بعض الناس حاول العبث بها في طريقها فشرست عليه.. فوقعت بينهما واقعة انتهى أمرها إلى مخفر الشرطة. وكنا قد وصلنا إلى المخفر فاقتادنا الجندي إلى قاعة المأمور فوقفنا بين يديه، فأشار إلى جندي أمامه إشارة لم نفهمها، ثم استدنى الفتى إليه وقال له: يسوؤني أن أقول لك إن رجال الشرطة قد عثروا الليلة في مكان من أمكنة الريبة رجل وامرأة في حال غير صالحة، فاقتادوهما إلى المخفر، فزعمت المرأة أن لها بك صلة، فدعوناك لتكشف لنا الحقيقة في أمرها، فإن كانت صادقة أذنّا لها بالانصراف معك إكراماً لك، وإبقاء على شرفك، وإلا فهي امرأة عاهرة لا نجاة لها من عقاب الفاجرات.. وها هما وراءك فانظرهما. وكان الجندي قد جاء بهما من غرفة أخرى، فالتفت وراءه فإذا المرأة زوجته، وإذا الرجل أحد أصدقائه.. فصرخ صرخة رجفت لها جوانب المخفر، وملأت نوافذه وأبوابه عيوناً وآذاناً، ثم سقط في مكانه مغشياً عليه، فأشرت على المأمور أن يرسل المرأة إلى منزل أبيها ففعل، وأطلق سبيل صاحبها، ثم حملنا الفتى في مركبة إلى منزله، ودعونا له الطبيب فقرر أنه مصاب بحمى دماغية شديدة.. ولبث ساهراً بجانبه بقية الليل يعالجه حتى دنا الصبح، فانصرف على أن يعود متى دعوناه، وعهد إليّ بأمره فلبثت بجانبه أرثي لحاله.. وأنتظر قضاء الله فيه، حتى رأيته يتحرك في مضجعه، ثم فتح عينيه فرآني، فلبث شاخصاً إليَّ هنيهة كأنما يحاول أن يقول لي شيئاً فلا يستطيعه، فدنوتُ منه وقلت له: - هل من حاجه ؟ فأجاب بصوت ضعيف خافت: حاجتي ألا يدخل عليَّ أحد من الناس. قلت: لن يدخل عليك إلا من تريد. فأطرق هنيهة، ثم رفع رأسه فإذا عيناه مخضلتان بالدموع.. فقلت: ما بكاؤك ؟ قال: أتعلم أين زوجتي الآن؟ قلت: وماذا تريد منها؟ قال: لا شيء، سوى أن أقول لها إني قد عفوت عنها. قلت: إنها في بيت أبيها. قال: وارحمتاه لها ولأبيها ولجميع قومها! فقد كانوا قبل أن يتصلوا بي شرفاء أمجاداً فألبستُهم مذ عرفوني ثوبا من العار لا تبلوه الأيام. مَن لي بمن يبلغهم عني جميعاً أنني مريض مشرف ، وأنني أخشى لقاء الله إن لقيتُه بدمائهم، وأنني أضرع إليهم أن يصفحوا عني ويغتفروا زلتي، قبل أن يسبق إليّ الأجل؟!.. لقد كنتُ أقسمت لأبيها يوم اهتديتها أن أصون عِرضها صيانتي لحياتي، وأن أمنعها مما أمنع منه نفسي، فحنثت في يميني . نعم إنها قتلتني!.. ولكنني أنا الذي وضعت في يدها الخنجر الذي أغمدَته في صدري، فلا يسألها أحد عن ذنبي. البيت بيتي، والزوجة زوجتي، والصديق صديقي، وأنا الذي فتحت باب بيتي لصديقي إلى زوجتي، فلم يذنب إلي أحد سواي. ثم أمسك عن الكلام هنيهة، فنظرت إليه فإذا سحابة سوداء تنتشر فوق جبينه شيئاً فشيئاً، حتى لبست وجهه، فزفر زفرة خِلتُ أنها خرقت حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول: - آه ما أشد الظلام أمام عيني!.. وما أضيق الدنيا في وجهي!.. في هذه الغرفة على هذا المقعد تحت هذا السقف كنت أراهما جالسين يتحدثان فتملأ نفسي غبطة وسروراً، وأحمد الله على أن رزقني بصديق وفيّ يؤنس زوجتي في وحدتها، وزوجة سمحة كريمة تكرم صديقي في غيبتي ، فقولوا للناس جميعاً: إن ذلك الرجل الذي كان يفخر بالأمس بذكائه وفطنته، ويزعم أنه أكْيَسُ الناس وأحزمهم، قد أصبح يعترف اليوم أنه أبله إلى الغاية من البلاهة، وغبي إلى الغاية التي لا غاية وراءها. - لعل الناس كانوا يعلمون من أمري ما كنت أجهل، ولعلهم كانوا إذا مررت بهم يتناظرون ويتغامزون ويبتسم بعضهم إلى بعض، أو يحدقون إليّ ويطيلون النظر في وجهي ليروا كيف تتمثل البلاهة في وجوه البُله.. والغباوة في وجوه الأغبياء!.. ولعل الذين كانوا يتوددون إليّ ويتمسحون بي من أصدقائي، إنما كانوا يفعلون ذلك من أجلها لا من أجلي!.. ولعلهم كانوا يسمونني فيما بينهم قواداً ويسمون زوجتي مومساً!.. وبيتي ماخوراً .. وأنا عند نفسي أشرف الناس وأنبلهم. فوارحمتاه لي إن بقيت على ظهر الأرض بعد اليوم ساعة واحدة، ووالهفا على زاوية منفردة في قبر موحش يطويني ويطوي عاري معي. ثم أغمض عينيه وعاد إلى ذهوله واستغراقه. وهنا دخلت الحجرة مرضع ولده تحمله على يدها حتى وضعته بجانب فراشه، ثم تركَته وانصرفت، فما زال الطفل يدب على أطرافه حتى علا صدر أبيه فأحس به، ففتح عينيه فرآه فابتسم لمرآه وضمَّه إلى صدره ضمّة الرفق والحنان، وأدنى فمه من وجهه ليقبله، ثم انتفض فجأة واستسرَّ بِشْرُهُ ، ودفعه عنه بيده دفعة شديدة وأخذ يَصيح: - أبعِدوه عني لا أعرفه!.. ليس لي أولاد ولا نساء، سلوا أمه عن أبيه من هو واذهبوا به إليه، لا ألبس العار في حياتي وأتركه أثراً خالداً ورائي بعد مماتي. وكانت المرضع قد سمعت صياح الطفل فعادت إليه وحملته وذهبت به، فسمع صوته وهو يبتعد عنه شيئاً فشيئاً فأنصت إليه واستعبر باكياً وصاح : - أرجعوه إليّ، فعادت به المرضع، فتناوله من يدها وأنشأ يقلب نظره في وجهه ويقول: سواءً أكنتَ ولدي يا بني، أم ولد الجريمة، فإني قد سعدت بك حقبة من الدهر فلا أنسى يدك عندي حياً أو ميتاً، ثم احتضنه إليه، وقبله، في جبينه قبلة لا أعلم هل هي قبلة الأب الرحيم، أو المحسن الكريم!.. وكان قد بلغ منه الجهد فعاودته الحمّى، وغلت نارها في رأسه، وما زال يثقل شيئاً فشيئاً حتى خِفْتُ عليه التلف، فأرسلت وراء الطبيب، فجاء وألقى عليه نظره طويلة ثم استردها مملوءة يأساً وحزناً. ثم بدأ ينزع نزعاً شديداً، ويئن أنيناً مؤلماً، فلم تبق عين من العيون المحيطة به إلا ارْفَضَّت عن كل ما تستطيع أن تجود به من مدامعها. فإنا لجلوسٌ حوله وقد بدأ الموت يسبل أستاره السوداء على سريره، وإذا امرأة مؤتزرة بإزار أسود قد دخلت الحجرة، وتقدمت نحوه ببطء، حتى أكبّت على يده الموضوعة فوق صدره فقبلتها وأخذت تقول له: - لا تخرج من الدنيا وأنت مرتاب في ولدك، فإن أمه تعترف بين يديك وأنت ذاهب إلى ربك، أنها وإن كانت قد دنت من الجريمة، ولكنها لم ترتكبها، فاعف عني يا والد ولدي، واسأل الله عندما تقف بين يديه أن يلحقني بك، فلا خير لي في الحياة من بعدك. ثم انفجرت باكية، ففتح عينيه، وألقى على وجهها نظرة باسمة، كانت هي آخر عهده بالحياة وقضى . الآن عدتُ من المقبرة بعدما دفنتُ صديقي بيدي وأودعت حفرة القبر ذلك الشباب الناضر، والروض الزاهر، وجلست لكتابة هذه السطور وأنا لا أكاد أملك مدامعي وزفراتي، فلا يهوّن وجدي عليه إلا أنَّ الأمّة كانت على باب خطر عظيم من أخطارها، فتقدم هو أمامها إلى ذلك الخطر وحده، فاقتحمه... شمس الحب |
|
|
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
المنتدى العام| منتدى الترحيب والاصدقاء منتدى الشعر النبطي| منتدى النثر والخواطر| منتدى القصص والروايات| منتدى الالعاب والمسابقات| | منتدى الفوتوشوب والسويش| منتدى البرامج والعاب الجوال| منتدى البرامج والانترنت| | منتدى المرأة| منتدى الازياء| منتدى العلوم والصحه| مطبخ قمر25| منتدى تصاميم الاعضاء| منتدى الرياضة| منتدى السيارات| منتدى الشعر الفصيح|| منتدى النكت والطرائف| منتدى التربية والتعليم| المنتدى الاجتماعي| منتدى الاهدائات|| منتدى الاقتراحات| منتدى الشكاوي| منتدى المشرفين| المنتدى الاسلامي| منتدى الصور| | منتدى اجهزة الجوال| منتدى الرسائل القصيرة| الحوار الجاد| منتدى السياحة| منتدى الاعلانات الشخصية للاعضاء| منتدى شخصيات في الذاكرة والتاريخ| منتدى الامومة والطفولة| منتدى حياة بلا تدخين| منتدى عالم الحيوان| منتدى اللغة الانجليزية